حديثي في الكويت مجروح، ولكنها كلمة حق في صفاء الأوكسجين فيها وتوفره فيها بصيغته الثقيلة: O3 بدلا من O2، أي ان أوكسجينها يتكون من جزيئات ثلاثية الذرات لا ثنائيتها، مما يجعله صافياً نقياً. والمقصود بهذا التشبيه الكيميائي هو الحرية الكبيرة التي ينعم بها المواطن والمقيم على السواء، وحرية الصحافة، وحرية الرأي، والمشاركة الشعبية في المجال السياسي والاجتماعي، وحرية الدين والمعتقد، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء وعدالته، حتى استطاعت شخصية الشيخ محمد إبراهيم عنان رحمه الله ان تصقل نفسها بنفسها ثمانية عشر عاماً فتجعل من صاحبها عالماً في مجاله، مرجعاً في تخصصه، حيث انطبقت عليه كلمة لا أفتأ أرددها في مواضعها المناسبة، وهي ان «التخصص يقود الى الإبداع».
ولد بمحافظة المنصورة بمصر سنة 1969، وتديَّن منذ صباه، تخرج في كلية الهندسة جامعة المنصورة، وكان ذكيا فائقا – وله في ذلك أقاصيص مع اساتذته وزملائه وبعض مشروعاته في التخرج – وكان من اوائل دفعته، وعين فيها معيدا، ثم تركها لظرف شخصي، وقد كان رحمه الله حاضر البديهة لمّاحاً متقد الذكاء.
طلب العلم الشرعي:
بدأ مشواره الفعلي مع العلم عقب سفره الى الكويت سنة 1996، حيث عمل مهندسا للكمبيوتر في بعض الشركات الخاصة، حتى استقر به الحال في وزارة الاعلام، ثم لجنة التعريف بالاسلام، ثم مبرة الآل والاصحاب التي تعنى بتراث آل البيت والصحابة الكرام.
طلب العلم الشرعي اول مقدمه الكويت، فكان يحضر في بعض الأيام خمسة دروس، بعد الفجر والعصر والمغرب والعشاء، اضافة الى دوامه وعمله الرسمي.
التخصص العلمي:
بدأت رحلة أبي رائد مع المسيحية ودراستها بحادث طارئ، حيث كان من زملائه في العمل بعض المسيحيين، وكانت تجري بينهم بعض المناقشات بطبيعة الحال، وفي بعض تلك النقاشات جرى على لسان بعض المسيحيين ما معناه انه يفهم اكثر منه في الاسلام، وهو لا يعلم شيئا عن المسيحية!، فكان ان صمم ابو رائد على دراسة المسيحية دراسة معمقة، حيث بدأ تعلم المسيحية من الصفر، فأخذ يجمع الكتب، والمخطوطات، ونسخ الكتاب المقدس، ويقرأها، وتعلّم الابجدية اليونانية وقواعدها العامة، وكان مجيداً للانكليزية بطلاقة، وسأل من تقدمه في طلب ذلك العلم.
طوّف ابو رائد البلاد ليجمع امهات كتب المسيحية، ونسخ الكتاب المقدس، فسافر الى لبنان وسوريا وغيرها لشراء الكتب، واتصل بأميركا وايطاليا وفرنسا وبريطانيا والهند والعراق، وغيرها، واشترى من تلك البلاد مئات الكتب والمخطوطات، وانفق في ذلك اموالا طائلة رغم كون دخله محدوداً جداً. ولم يبخل بتلك الكتب، فجعل يصورها، ويعطي من يراه مستحقاً لتلك الكتب وفق اجتهاده، وعمله، واحتياجه.
الدعوة:
كان له نشاط دعوي دؤوب، ليس له هم إلا نصر الاسلام، والدفاع عن التوحيد ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وبراءة عيسى من الشرك، ولا أبعد اذا قلت انني لم أسمع عن مثله في ذلك الحرص والدأب، في صحوه ونومه، كان يقوم من الليل فزعاً يبحث عن كتاب تذكّر معلومة قرأها فيه ليدونها، وكان يأكل والكتاب والقلم والأوراق في يده، يأكل باليمنى ويكتب باليسرى، وكان يقرأ في كل أحواله، وهو من القلة التي قرأت كل مكتبتها، فقرأ عشرات الآلاف من الكتب تحقيقاً لا ظناً، يعزو اليها بالصفحات، ويصف لون غلافها وتصميمه، على اختلاف طبعاتها وفجأة. ورودها أمامه، ويغالط فيها النشارين وأصحاب المكتبات في مكتباتهم، ويخضعون له غاية الخضوع بعد استيثاقهم من ملكته، وقد كان منه في ذلك ما لا يسع المقام لذكره.
مارس دعوته فعلياً في أرض الواقع، فدخل كنائس بيروت ودمشق وسائر أرجاء مصر، وناقش كثيراً من القساوسة، والتقى كثيراً من اعلام المسيحية المعاصرة مثل بولس الفغالي، وبيشوي حلمي، وغيرهما.
ناقش كثيراً من المسيحيين، والمتنصرين، والمسلمين المتشككين، عرباً وعجماً، بلا كلل ولا ملل، وأسلم على يديه كثيرون.
انطلق للدعوة عبر الانترنت باعتبارها اسهل انتشاراً، وأكثر تأثيراً، وأليق بظروفه حال مرضه وعدم قدرته على الحركة بسهولة، وشارك في برنامج البالتوك الشهير، في غرف الرد على النصارى، ومن أهم تلك الغرف التي كان فاعلاً فيها «غرفة الحوار الاسلامي المسيحي» المعروفة، وهي غرفة الأخ وسام عبدالله، وكان اسمه الرمزي في البالتوك (دايركت ترست) direct trust.
وكانت له مشاركة في المنتديات، لاسيما المتخصصة في مقارنة الأديان مثل: منتديات ابن مريم، وغيرها.
التأليف:
كذلك اتجه أبو رائد للتأليف، وله في التأليف آلاف الأوراق، في موضوعات شتى، لاسيما النقد النصي، وتاريخ الآباء، والهرطقات، واللاهوت المسيحي المقارن والطقسي.
وكان يعمل دائماً على تهذيب تلك الأوراق ليخرج منها كتباً، فأخرج كتابه الأول «ما لا تعرفه عن المسيحية» منذ نحو السنتين، والذي كان على وجازته جامعاً لكم هائل من المعلومات وعلى طريقة غير مألوفة من حيث الجمع والتصنيف والمصادر والاخراج، وشاملاً لأهم مسائل الاعتقاد المسيحي، وفارقاً بمسافة ضخمة ثابتة عن المؤلفات العربية في مقارنة الأديان عموماً، والمسيحية خصوصاً.
ثم كان كتابه الثاني «اخوة الزيف»، وقد صدر في آخر معرض الكتاب القاهري الأخير، وهو دراسة معمقة لخاتمة انجيل مرقس، من الناحية الكتابية، والعقدية، والتاريخية، وهو نوع من الدراسات غير المألوفة بالعربية كذلك، من حيث حجم المادة، وكم المراجع الأصلية، وجودة الترتيب والوضع.
فاجأه مرض السرطان منذ ست سنوات، ولكنه لم ينته عن القيام بدوره الدعوي والعملي في مجاله، وزخرت كل من مبرة الآل والأصحاب ولجنة التعريف بالاسلام بنشاطه المتقدم بهمة عالية لا تعرف التأثر بهذا المرض، ولم تكن أصلاً تظهر عليه علامات المرض لمن لا يعرف سرَّه المرضي طوال الثلث الأخير من فترة حياته في الكويت التي احتضنته سليماً وعلى فراش المرض، ثم احتضنته بثراها الطاهر بعد وفاته.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وبارك للكويت احتضانها للجميع من شتى الأعراق والمشارب، والعلماء على وجه الخصوص.
د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي
[email protected]